كثيرة هي المخاوف التي تنساب وتؤرق الضمير العالمي، المتذبذب بين التشاؤم والقلق من جهة، والتفاؤل والأمل من جهة ثانية، بشأن مستقبل العالم الذي يشهد الآن تغيرات جذرية وتحولات منقطعة النظير، على مختلف المستويات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، و"السوسيوثقافية"، في ظل ما صار يعرف بالنظام العالمي الجديد أو "العولمة". وموازاة مع تلك المخاوف، تم إفراز وتدجين ــ لدرجة تبلغ حد التبني والتأصيل ــ مجموعة من المصطلحات على مستوى الإعلام والكتابة في الاقتصاد السياسي وكل ما له ارتباط بالتجارة العالمية [..] وهي كثيرة وكثيرة جدا، تعد محاولة استكشافية فريدة من نوعها، وجادة كذلك، ل قراءة قسمات وملامح وجه هذه "العولمة"، أو هذا "النظام" ' "تبين فيما بعد أن تلك المحاولة كانت يائسة" حين رأى معظم المفكرين على أن "النظام العالمي الجديد لا يزال قيد التشكيل" ' مما يعني أن ليس له أصلا أية قسمات. ومن ثمة، سيكون أي حديث عن "النظام العالمي الجديد"، أو "العولمة"، من قبيل العبث، لأنه حديث عن شيء غير موجود بالفعل. راجع إصدارنا "العولمة الظلامية" - راجع كذلك ص 393 من كتابنا الثالث. إن العولمة صارت مثار حيرة وتساؤل المثقفين والإعلاميين، في غياب الإمساك بالمعيار القانوني الاقتصادي العالمي الجديد لفهمها وتفهمها بكيفية واضحة وصحيحة، (أي على الوجه الذي وضحناه في عملنا هذا). ونتيجة لذلك، انصرف الاهتمام إلى انعكاساتها، التي اعتبرها البعض سلبية على البلدان وكنتيجة للحيرة، إن على مستوى كل بلد على حدة، أو على مستوى القرية الشاملة، إزاء ظاهرة العولمة، فإن الراصد لمجريات الأحداث اقتصاديا، وإعلاميا ورسميا، يجد نفسه أمام حالة لا يمكن وصفها إلا بالتشظي الحضاري، أو فصام في الشخصية. حيث صادقت الجهات الرسمية على الالتزام النظري بشيء، لكنها على مستوى التطبيق العملي، بهدف التنمية الاقتصادية، تنهج نهجا مخالفا ومغايرا لا علاقة له بذلك الشيء أما الإعلام فيتحدث عن أشياء أخرى كثيرة ومتنوعة، لا علاقة لها البتة بما صودق عليه، أو ما يمكن اعتباره تطبيقا معكوسا له، إن محليا أو عالميا وفي خضم هذا التناقض العجيب، يبقى الباب مفتوحا أمام التنظيرات، وعقد اللقاءات والمؤتمرات للتساؤل، والاستفسار، وطرح البدائل، والخيارات والتوصيات، ليتبين في النهاية أن الحكومات في واد، وإعلامها في واد، وتنظيرات اقتصادييها وخبرائها في واد ثالث وحيث إن "النخبة النابهة المثقفة" تتميز عن الدهماء بكونها أقرب إلى الفكر من أي شيء آخر سواه، أفما كان أحراها وأجدرها أن تكون أول منتبه "لحقوق الفكر"(حجر الزاوية في "اتفاقية الجات")، بل أول المنافحين عن الاستفادة منها، بدل اللجوء إلى المغالطة - كتغطية لسوء الفهم وبلادة الحس- في الترويج، وبإلحاح شديد، لاستفادة البلدان من حقوق ما تنتجه الأرض والبحر والبئر. كما لو كانت هذه الأخيرة هي العولمة، رغم اقتصارها على بلد دون بلد، بينما العولمة هي الفكر و ما ترتبط به من حقوق اقتصادية، لأنه متواجد في أي مكان وفي كل زمان، طبعا مع بعض الاستثناءات